قراءة تحليلية في “مقال” الأستاذ وليد العرفاوي

المقال الذي نشره الأستاذ والمستشار القانوني وليد العرفاوي ليس مجرد “رأي قانوني” عابر، بل هو “إعلان تغيير عقيدة” (Changement de Doctrine) في تعامل الدولة والقضاء مع ملفات الإنتاج والتوزيع الرقمي في تونس.

المقال:

عبر تفكيك دقيق للنصوص وفقه القضاء، يضع الأستاذ العرفاوي الجميع أمام مسؤولياتهم الجزائية. وفي ما يلي تحليل مفصل لما بين السطور، بلغة يفهمها المحترفون:

1. سقوط خرافة “التنازل المطلق” (L’Inaliénabilité du Droit Moral)

أول قنبلة قانونية فجرها المقال هي نسف العقود النمطية التي يفرضها بعض الوسطاء (Aggregators).

  • النص: “الحق المعنوي… هو ما لا يباع ولا يشترى… وأي بند تعاقدي ينص على التنازل عنه يعتبر باطلاً بطلاناً مطلقاً.”
  • التحليل (Décortiquage): برشا فنانين يصححوا على عقود فيها جملة “أتنازل عن جميع الحقوق”. قانونياً، هذا التنازل يخص فقط “الجانب المالي” (بيع، استغلال). أما “الحق المعنوي” (اسمك، صفتك، عدم تحريف العمل) فهو ملكية أبدية لا تسقط بالإمضاء. النتيجة: أي شركة تقوم بتغيير الـ Metadata (تحذف اسم الملحن، تغير العنوان، تفرض Feat وهمي) بتعلة “عندي عقد”، هي قانونياً تمارس في “جريمة تزوير”. العقد لا يحميها هنا، بل يدينها بسوء النية.

2. الـ Streaming قضية “أمن قومي مالي” (Souveraineté Économique)

الأستاذ العرفاوي نقل الملف من “نزاع تجاري خاص” إلى “قضية سيادة دولة”.

  • النص: “لم تعد الدولة تلعب دور الملاحظ الصامت… التلاعب بالعائدات هو استهداف مباشر للمخزون الثقافي ورافد للعملة الصعبة.”
  • التحليل (Décortiquage): مداخيل المنصات (Spotify/YouTube) هي أموال بالعملة الصعبة (Devise). عندما يقوم الموزع بالتصريح بأرقام مغلوطة (تقارير Excel مفبركة) وحجب المداخيل الحقيقية، هو لا يسرق الفنان فقط، بل يستولي على موارد الدولة من العملة الصعبة ويمارس التهرب الضريبي. الرسالة الضمنية: الخصم القادم للمتلاعبين ليس “محامي الفنان” فحسب، بل الأجهزة الرقابية المالية (Pôle Financier) والمؤسسة التونسية لحقوق المؤلف (OTDAV) بصفتها “الضامن للنظام العام”.

3. المنعرج الخطير: تكييف “غسيل الأموال” (Le Blanchiment d’Argent)

هذه النقطة هي الأخطر على الإطلاق، وتستند لقرار تعقيبي (عدد 53578).

  • النص: “الشركات التي تتلقى أموالاً من الخارج ولا تصرح بها بدقة… تقع تحت طائلة غسل الأموال عبر: التوظيف، التمويه، والإدماج.”
  • التحليل (Décortiquage): ببساطة مرعبة: أي مليم يدخل لحساب الشركة (Aggregator) من الخارج، ولا يقع التصريح به بشفافية لصاحب الحق (الفنان)، ويتم خلطه مع أموال الشركة لصرف نفقات أخرى، يعتبر قانونياً “مالاً وسخاً” (عائدات خيانة مؤتمن). عملية إخفاء هذا المال ضمن “مصاريف تسويق وهمية” أو “أرباح الشركة” هي أركان مكتملة لجريمة تبييض الأموال. العقوبات هنا ليست غرامات، بل أحكام سجنية نافذة.

4. “المصيدة”: قلب عبء الإثبات (Renversement de la Charge de la Preuve)

  • النص: “الاتجاه القضائي الحالي يميل نحو قلب عبء الإثبات… يُطالَب المظنون فيه بإثبات شرعية مصدر ما بحوزته.”
  • التحليل (Décortiquage): في السابق، كان الفنان مطالباً بإثبات السرقة. اليوم، وفق قانون الشفافية المالية ومكافحة التبييض، الشركة هي المطالبة بتبرير شرعية أموالها. إذا عجزت الشركة عن تقديم Audit Trail (تطابق تام بين البيانات الخام للمنصة والتحويلات البنكية)، فإن القاضي يعتبر الفارق المالي “أموالاً مبيضة” آلياً. عذر “Des erreurs techniques” أو “Retard de reporting” لم يعد مقبولاً قضائياً ويندرج ضمن “غياب العناية الواجبة” (Manque de Due Diligence).

💡 الخلاصة (Conclusion)

مقال الأستاذ وليد العرفاوي هو “جرس إنذار” أخير. نحن نعيش نهاية حقبة “الغموض المحاسبي” في الصناعة الموسيقية. الفنان اليوم، متسلحاً بهذا الفقه القضائي، لم يعد الطرف الأضعف. من يملك المعلومة القانونية، يملك السيطرة. ومن يختار مواصلة العمل بأساليب “التعتيم”، فهو يختار طوعاً مواجهة ماكينة “مكافحة الجرائم المالية”.

الحق لا يضيع.. مادام وراءه قانون “صارم” ومطالب “واعي”.


Posted

in

by

Tags:

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *